آخر حوار مع الشهيد الولي مصطفى السيد!!
كتبهاLAJWAD TIRIS ، في 8 يوليو 2009 الساعة: 21:33 م
الجزء الاول
كنت ذات مرة، منذ ما يزيد على الحول ، في زيارة خاطفة للقطر الموريتاني الشقيق من أجل غرض خاص ، فاليوم لم يعد هناك هم عام وجل الأغراض هي شخصية ولكن بإمكانيات عامة أي بإمكانيات الشعب. المهم أنني كنت في زيارة إلى بلدنا الثاني موريتانيا، وفي إحدى محطاتي كنت قد نزلت بالقرب من المكان الذي يزعمون بان الشهيد الولي قد دفن فيه ،وهنا خطر ببالي محاولة زيارة القبر والترحم على من فيه. وبعد إرساء دعائم الود والصداقة المبنية على الرشوة والمنفعة مع من يتولون حراسة ذلك المكان ، سمحوا لي بزيارة القبر والوقوف عليه . وفي الحقيقة وبكل صراحة ، لا أخفيكم بأنه انتابني شعور غريب وأنا أقترب من ذلك القبر، شعور اختلط فيه الخوف والرَّهبة مع الإقدام والرَّغبة مع العزوف والسعادة مع الحزن والأمل مع اليأس…..شعور سرعان ما انقلب إلى حقيقة عندما اقتربت أكثر من القبر وقرأت السلام على صاحبه ،فإذا بصاحب القبر يرد التحية بأحسن منها!! وإذا بي أنا أسقط مغشي عليا ….وحين أفقت،إذا بالولي يصافحني ويحاول أن يهدي من روعي ويدخل الطمأنينة إلى نفسي ….. وبعد أن تراجعت أنفاسي واعتدلت في الجلوس دار بيننا الحديث التالي:
ـــ الزائر : أكاد لا أصدق أنه الولي !! كيف حالك وحال شهداء شعبنا جميعا؟؟
ـــ الولي : الحمد لله ، نحن بخير والكل ينعم بما رزقنا الله به، وكيف حالكم أنتم؟ وما هي أخباركم ؟ وإلى أين وصلتم ؟ ……أخبرني بالله عليك أخبرني !!
ـــ الزائر : لا بأس ، الأمور صعبة والحياة تسير وهذا في حد ذاته يستوجب الحمد على كل حال.
ـــ الولي : استشعر واستشف من نبرتك أن الأمور لديكم لا تسير بالشكل المطلوب؟؟
ـــ الزائر : في الحقيقة الظروف والتغيرات التي حصلت في العالم في العقود الأخيرة وطول المرحلة وكثرة الأزمات الدولية و ……
ـــ الولي {مقاطعا} : ماذا تريد أن تقول ؟
ـــ الزائر : ما أريد قوله….. هو إن دار لقمان لم تعد على حالها وان دوام الحال من المحال وان ……….
ـــ الولي{مقاطعا}: بالله عليك ، حبذا لو تركتنا من اللف والدوران وأخبرتنا عن صحة الثورة وعن سير المعارك وعن صمود اللاجئين وعن بسالة المقاتلين ونزاهة ومثالية القياديين وعن …….أخبرنا ، طمئنا ، أننا لأخباركم مشتاقون ولمعرفة أحوالكم متلهفون.
ـــ الزائر : لست أدري من أين ابدأ ولكن يظهر بأنه لا مفر لي من " صب كل شي من الحاشية "
ـــ الولي : نحن إخوان ومناضلين ويجب أن نكون صرحاء فيما بيننا
ـــ الزائر : كان بودي أن تكون زيارتي الأولى هذه بشائر خير لكم لكن، واقعنا وأحوالنا وظروفنا للأسف لا تبشر بخير.فالمبادئ التي جمعتنا لم تعد هي نفسها ، وروح الثورة لم تعد تريد البقاء في أجسادنا ، الإخلاص والتضحية والوطنية والعمل النضالي ليست إلا كلمات تملأ كتيبات أدبيات الجبهة.الحرب أصبحت في خبر كان ومن يتحدث عنها هو متطرف وغبي وجاهل بالقوانين والظروف الدولية.
القبيلة أضحت من جديد سيدة الميدان، وهي رمز الوحدة والتآزر، وعلى أساسها يتم تعيين القيادة والمسؤولين اعتمادا على مبدأ " الكوتة " الذي لا يفقهه سوى "كبير القوم" .
لقد أفسدوا كل شيء ، وضحكوا عليكم قبل أن يضحكوا علينا .
كنت تقول لهم أن يسخوا بدمائهم من أجل استرجاع حقوقهم ، وسرعان ما قلبوا الآية وأقنعونا بأن نسخي بِلُعَابِنَا ــ عوضا عن دمائنا ــ في حرب الألسنة في أروقة الأمم المتحدة ، وتم إسكات عامل القوة الحقيقي والوحيد الذي كان بحوزتنا أي سلاحنا وتكبيل رجالات الصحراء الفريدين إلى يوم يبعثون.
كنت تحرضنا على التمسك بالهوية الصحراوية والدفاع عن الأصالة وها نحن اليوم ــ قاعدة وقيادة ــ نتسابق للحصول على الجنسية الأسبانية أو على الأقل أوراق الإقامة هناك ، معظم رفاقك الذين خولتهم أمرنا أصبحوا حائزين على جنسيات بلدان أخرى ، اشتروا منازل في تندوف وفي موريتانيا وعائلاتهم وأطفالهم لم يعد يتقاسموا معنا حر وبرد الحمادة ، فلقد أصبحوا من القاطنين في الخارج..
ـــ الولي{مقاطعا}: يا ويحهم، من أين لهم بالمال ؟؟
ـــ الزائر : يقال إن معظمهم ينحدر من عائلات صحراوية معروفة بكثرة الجاه والمال!! والأموال التي بحوزتهم قد ورثوها عن آبائهم!! و …
ـــ الولي {مقاطعا}: هذا كذب وبهتان ، لقد افتروا عليكم وخدعوكم ، فأنا أعرفهم جميعا ولم يكن فينا من لديه عائلة غنية ، ولا حتى متوسطة الحال ، كل العوائل كانت تتمرغ تحت خط الفقر…..فيا ويلهم من عذاب جهنم ، فلقد سرقوا مال اليتيم واللاجئ وابن السبيل، أنها كارثة ، أنه الانحطاط الذي يصل ويتخطى حد السفالة….
ـــ الزائر{مقاطعا} : لقد استباحوا المال العام وإمكانيات الدولة والمؤسسات أصبحت عائلية واختلاس المال العام في جمهوريتنا أصبح فضيلة ورمز للرجولة .
كنت تحثهم على الرفق بالضعفاء والعناية بأرامل وأمهات وأبناء الشهداء…… ولو قدر لك أن تتجول في سوق الجمعة هذه الأيام في تندوف، فستدمي دمعا حزنا وحسرة على ما آل إليه حال بعض أمهات وأخوات وأرامل شهدائنا تحت "خييمات" يبعن من القليل الذي تجود به عليهم المنظمات الإنسانية .وهنا سأعفيك من الحديث عن حال الجرحى وضحايا الحرب فلا أظنك تستطيع تحمل سماع ما هم عليه من بؤس وشقاء وندم.
إن من وضعت فيهم ثقتك وجعلتهم قيادة وإمرة لنا واخترتهم على رأس اللجنة التنفيذية، استطاعوا أن يجعلوا من رجال كانوا أروع ما يكون في الشجاعة والإقدام وفي الشهامة والأنفة والعزة ـ قوم لا يعلو على رؤوسهم سوى السماء ، أقول ،حولوهم إلى سماسرة ومهربين ومهاجرين ــ شرعيين وغير شرعيين ــ يزاحمون المغاربة في جني ثمار الحقول الأسبانية . إنه لمن السخرية بمكان مشاهدة مقاتلين أشاوس وقيادة فصائل وكتائب ،كانوا بالأمس القريب يتسابقون في ساحة الوغى طلبا للشهادة ، تراهم اليوم يمتهنون أقذر وأدنى المهن نتيجة حالة اليأس والارتباك والانتظار وفقدان زمام المبادرة التي رمتنا فيها قيادتنا المبجلة!! وعلي فكرة ، هي نفس القيادة التي تركتَ لنا ، نفس الأشخاص وذات الأشكال في مسرحية مستمرة يتبادلون فيها الأدوار.
ـــ الولي : أكاد لا أصدق!! ما الذي جرى لرفاقي ؟؟ واي كارثة حلت بهم ؟؟ أين أعضاء اللجنة التنفيذية وهل جَنُّوا جميعا؟؟!!
ـــ الزائر : لم يعد هناك ما يسمى باللجنة التنفيذية منذ سنوات عديدة ،ولكن لا بأس في أن أحدثك عن مصير عناصرها باعتبارهم مسؤولين في المقام الأول والأخير عن حالة الانهزام والانكسار التي نتخبط فيها.
في البداية يجب أن أحيطك علما بأن اختيار خلفك لم يكن بالأمر الهين ، فالقوم في مؤتمرهم الثالث اختلفوا وتنازعوا وكاد أن يتفرقوا ، فلم تجتمع كلمتهم على مرشح يخلفك إلا بعد أن أتوا بمرشح ثالث لم يكن في الحسبان، كحل وسط بين الفريقين المتضادين ، وهنا تم اختيار محمد عبد العزيز كأمين عام للجبهة..
الولي {مقاطعا}: إنه قائد عسكري ميداني، لا يستوعب السياسة ولا يحسن مغازلة المبادئ ويجهل التعامل الدبلوماسي ؟؟
ـــ الزائر : على كل حال كان هذا اختيارهم.وهنا سأحدثك عنه كأول عنصر من عناصر اللجنة التنفيذية.
في السنوات الأولى كان كل جهده منكب على الجبهة العسكرية ، فكان المقاتل والرفيق والقائد العسكري المحترم والموقر. بعد ذلك بسنوات تعلم مغازلة المبادئ وكيفية التصرف في الاستقبالات الرسمية وأتقن التركيبة الاجتماعية الصحراوية و………وأصبح ينفر شيئا فشيئا من خشونة الوحدات والكتائب والآليات ويميل إلى لطافة اللجان والخلايا والدوائر والعمل التعبوي والمهرجانات والندوات. وهنا أدرك حجم التطاحن الرهيب الذي كان قائما بين أفراد ومكونات القيادة الصحراوية وتفهم قوانين اللعبة وبدا ينسج خيوطه ويحدد له مكانا في حلبة الصراع القيادي. برهن على ذكاء بدوي فطري قل نظيره في التلاعب بالمواقف والأشخاص وفي التكيف مع الأحداث والأزمات الداخلية .أحداث 1988 كانت امتحانه العصيب واستطاع خلالها ـ دون أن يظهر كلاعب رئيسي ـ من أن يشعل نار الفتنة بين الكثير من القيادات التاريخية دون أن يحترق، وبقي متفرجا عليهم وهم يتناحرون حتى كلَّ متنهم ، وحينها انقضّ عليهم جميعا واحدا تلوى الآخر إلى أن أخضعهم جميعا لسلطانه ولرغباته وشهواته.اليوم أصبح هو وعنصر آخر ـ سأخبرك عنه فيما بعد ـ هما من يتحكما في كل صغيرة وكبيرة دون منازع وبلا حسيب أو رقيب، في مصاير الناس وفي القضية برمتها.
ـــ الولي : وما ذا عن الرفيق إبراهيم غالي؟
ـــ الزائر: ظل معظم سنوات الحرب متقيدا لمنصب وزير الدفاع وادي واجبه على النحو المطلوب، ولم يتجاوز حدوده أو يبحث عن زعامات أو يظهر بصفات لم يكن عليها. لم يكن ذلك القائد العسكري الفذ أو ذلك المقاتل الشرس المغوار إلا أنه كان يحظى بسمعة طيبة بين صفوف المقاتلين. في السنوات الأخيرة ، رماه السلطان إلى جحيم الدبلوماسية قصد التخلص منه ، ولكنه استطاع العيش والبقاء. عيوب هذا السيد هي نفس العيوب التي عرفته أنت بها أي ميله للعيش الرغيد وشغفه الذي لا تُعْرَفْ له حدود في مزاولة " رياضة البيظان".
ـــ الولي : وما هو شأن الرفيق المحفوظ أعلى بيبه ؟
ـــ الزائر: لعب أدوارا عديدة بتكليف من النظام ،بما في ذلك توليه قيادة فترة الحداد.تولى مناصب عديدة وكثيرة وفي كل الأحوال تم استعماله كطرف موازنة في الميزان القبلي . في الحقيقة هو أشبه ب"الإنسان الرَّمادي " لا يُعْرَفْ له طعم ولا لون ولا في أي الاتجاهات يسير.
ـــ الولي : واين الأخ عمار العظمي ؟
ـــ الزائر: كان متفانيا في خدمة الثورة في السنوات الأولى ،خصوصا في الجانب الأمني!! كان قائد يُخَافُ عليه ويُخَافُ منه ، كان طموحا وبارع الذكاء . كان "ماكيافيلي " إلى أبعد الحدود، ولم يكن يحسن مغازلة المبادئ فحسب بل وصل إلى حد التلاعب بها. كان يرى أنه أكبر من اللعبة وبأنه أكثر قدرة وتحصيلا ووزنا قبليا مِنْ مَنْ تم اختياره كأمين عام للجبهة. ارتكب خطأ عمره في عدم الظفر بالتحالف مع أيوب لحبيب وبقيا كل منهما يبكي على حاله ، فأيوب لم يحالف عمار في أحداث 1988 وعمار لم يكن حاضرا في محنة أيوب.في السنوات الأخيرة أصيب بداء عضال الزمه الفراش زمن طويل والآن قد شفى منه ولكنه أصبح فاقدا للذاكرة ، فلم يعد يميز بين الصديق والعدو وهو الآن تائه في شوارع الرباط ـ أي عفوا ـ أعني شوارع الجزائر العاصمة!! أين تتم معالجته.
ـــ الولي : مسكين عمار ….شفاه الله. لا اذيعك سرا أن قلت لك باني لم أكن أثق فيه تماما وكنت دائما أضعه تحت المراقبة ، ولكن يظهر أن ظني لم يكن في محله …..فحقا أن بعض الظن إثم ……سامحنا الله وإياه.وما هي أحوال محمد لمين البوهالي ؟؟
ـــ الزائر: إنه قائد عسكري ميداني محنك ، أمضى معظم سنوات الحرب كقائد للناحية الثانية وأبلى بلاء حسنا بشهادة الجميع. تنقصه الثقافة وهو عصامي التكوين وخشن المعاملة والأسلوب. أقحم نفسه في أحداث 88 بوزنه الثقيل واستعمله محمد عبد العزيز كدرع واقي له وكسيف سلطه على رقاب النساء المنتفضات. لا يفهم في السياسة ، إلا أنه استوعب جيدا لعبة التحالفات وحافظ على مكانه فيها.
ـــ الولي : وما ذا عن الرفيق سيدي أحمد البطل؟
ـــ الزائر: هذا الرفيق كان قد تكلف بالجانب الأمني عدة سنوات ،ويظهر أنه ارتكب العديد من التجاوزات في حق الكثير من المناضلين.كان يظن أن كل شيء مباح من أجل نجاح الثورة ،حتى وإن استلزم الأمر الدوس على كرامة الإنسان والتعذيب والقهر والإهانة. بعد ذلك بمدة سقط جريحا في ميدان المعركة مما أدى إلى فقدان بصره بعد أن أفقدته الثورة بصيرته. ولعل سقوطه جريحا هو ما يشفع له ويكفر عن بعض من سجله الأسود.إنه ذكي ومثقف ولأمر ما!! يخشاه الجميع ويوليه محمد عبد العزيز بمعاملة خاصة ويحرس دائما على تلبية رغباته. يظهر أن هذا السيد قنبلة موقوتة لا يريدون لها أن تنفجر بين أيديهم.
الجيل الواعد.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























